|
دراسة الكتاب المقدس |
|
|
الأصحاح الرابع:
الناموس كأساس لبناء الأُمة (4: 1-8):
في الأصحاحات الثلاثة الأولى كان حديث موسى الأول لشعبه سرداً تاريخياً لِمَا عمله الله مع شعبه إسرائيل. وفي هذا الأصحاح (الرابع) ما زال موسى يستعيد ذاكرة التاريخ من جهة أعمال الله معهم، ولكنه هنا يحصرها في نقطة واحدة تختص بضرورة حفظهم للناموس كأساس لبناء أمتهم. وهو يُعالج هذا الموضوع بأسلوب وعظي مسترجعاً ما حدث معهم عندما ذهب بعضٌ منهم وراء بعل فغور، وكيف أبادهم الرب، مدلِّلاً على ذلك بقوله: «وأما أنتم الملتصقون بالرب إلهكم فجميعكم أحياء اليوم» (4: 4)، وقد بدأ حديثه بهذا الخصوص قائلاً:
+ «فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أُعلِّمكم لتعملوها لكي تَحْيَوْا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب إله آبائكم يُعطيكم. لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أُوصيكم به ولا تُنقِّصوا منه، لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أُوصيكم بها...» (تث 4: 1-8).
إن أول ما يلفت نظرنا في الآية الأولى من هذه الفقرة تلك الكلمات التي نراها بصورة بارزة ومتميِّزة بوجهٍ خاص على مدى سفر التثنية. وهي: اسمع، واعمل، لكي تحيا، وتمتلك. فقد تكررت في 5: 1؛ 6: 4،3؛ 9: 1؛ 10: 12؛ 28: 1؛ 30: 10؛ 32: 1 بصِيَغٍ متعددة. وهذا هو سبيل الحياة مع الله على مدى الكتاب كله، أن نسمع ونعمل بوصايا الله في طاعةٍ كاملة مُذعنة بلا نقاش دون أن نزيد عليها أو ننقص منها شيئاً. فالله أعطانا كلمته لكي نحيا بها ونخضع لها، فنمتلك الحياة الأبدية ونثبت فيه وهو فينا: «الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأُظهر له ذاتي» (يو 14: 21)، «إن ثبتُّم فيَّ وثبت كلامي فيكم، تطلبون ما تريدون فيكون لكم» (يو 15: 7).
وموسى النبي يوجِّه هنا حديثه لإسرائيل وكأنه يقول لهم: «فالآن يا إسرائيل»، بناءً على كل ما رأيته من معاملات الله معك وعنايته بك طوال هذه السنين، وبما أنكم مزمعون أن تدخلوا الأرض التي وعد الرب بها آباءكم، فهذه هي توصيتي لكم قبل رحيلي من هذا العالم، أن تسمعوا الفرائض والأحكام التي سبق الرب فأعطاها لكم في سيناء، والتي أنا أُعيدها على مسامعكم مرة أخرى لتعملوا بها وتعيشوها لكي تحيوا، لأنها هي حياتكم في الأرض التي سوف تدخلونها وتمتلكونها، تلك الأرض التي وعد بها الرب آباءكم أن يُعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم. وكأن موسى بقوله هذا لهم: «لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض...»، يريد أن يؤكِّد لهم أن حياتهم كأُمةٍ تعتمد على عملهم بالناموس والفرائض والأحكام التي أعطاها الرب لهم، ليس بالمفهوم القانوني من حيث تنفيذها حرفياً، ولكن من حيث إن الناموس كان هو أساس العهد، وفي العهد ترتكز حياتهم وعلاقتهم وارتباطهم بإلههم، خاصةً وأن موسى قد قاربت أيامه على الانتهاء، إذ قال لهم بعد ذلك في نفس الأصحاح: «فأموت أنا في هذه الأرض، لا أعبُر الأردن» (4: 22). لذلك فعليهم أن يطيعوا الناموس لكي يحيوا ويمتلكوا الأرض التي في عَبْر الأردن.
وبعد ذلك يوصيهم موسى أن لا يزيدوا ولا يُنقصوا من وصايا الرب لهم شيئاً. فالناموس هو هبة الله لشعبه في حوريب، الذي ينبغي ألاَّ يُزاد عليه ولا يُنقَص منه. ولكن هذا لا يعني إلاَّ جوهر الناموس وليس حرفه. فهوذا مثلاً نرى الوصايا العشر قد ذُكرت فيما بعد في صيغة مختلفة (في تث 5) عمَّا جاءت عليه قبلاً (في خر 20)، إلاَّ أنه من الواضح تماماً أنهما متطابقتان في الجوهر. وكمثال لِمَا كان يقصده موسى النبي من تحذيره لهم من أن يزيدوا أو يُنقصوا شيئاً من الناموس، هو ما ذكره الرب يسوع في العهد الجديد حينما قال للفرِّيسيين: «حسناً رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم. لأن موسى قال: أكرم أباك وأُمك. ومَن يشتم أباً أو أُماً فليمت موتاً. وأما أنتم فتقولون: إن قال إنسانٌ لأبيه أو أُمِّه قربان أي هدية هو الذي تنتفع به مني، فلا تَدَعونه في ما بعد يفعل شيئاً لأبيه أو أُمه، مُبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلَّمتموه، وأموراً كثيرة مثل هذه تعملون» (مر 7: 9-13).
كما أن هذا لا يعني أيضاً أنه لن يكون هناك استمرار ونمو للوحي من الله، فقد وعد الله موسى بأنه سيُقيم من وسطهم نبياً مثله ويجعل كلامه في فمه، فيُكلِّمهم بكل ما يوصيه به (انظر تث 18: 15-19). ثم عاد موسى وذكَّرهم بما حدث عند بعل فغور التي جاء ذكرها في (عد 25: 1-9). فقد أراد موسى أن يُذكِّرهم بها كمَثَلٍ واقعي قريبِ العهد رأوه بأنفسهم، كتحذير لهم من مخالفة وصايا الله واتِّباع إله غريب. فهوذا الذين ذهبوا وراء ذلك الإله الغريب ماتوا كلهم شرَّ ميتة، أما هم الذين ظلُّوا ملتصقين بالرب فها هم أحياء إلى اليوم.
ثم عاد موسى فأكَّد لهم أن ما علَّمهم إيـَّاه وما سلَّمه لهم من فرائض وأحكام لم يكن من عنديَّاته، بل كما أمره الرب. لذلك يجب عليهم أن يحفظوها ويعملوا بها في أرض الموعد التي هم مزمعون أن يدخلوها، لكي يمتلكوها ويثبتوا فيها وتظهر حكمتهم وفطنتهم أمام أعين الشعوب المحيطة بهم. لأن كلمة الله ووصاياه تعطي الذين يحفظونها ويعملون بها حكمةً وفطنةً وفهماً: «ناموس الرب بلا عيب يردُّ النفوس، شهادة الرب صادقة تُعلِّم الأطفال» (مز 19: 7 - الترجمة السبعينية).
لقد كان موسى ينظر إلى اليوم الذي سيصير فيه الإسرائيليون أُمة عظيمة، ليس من حيث قوتهم الحربية، ولا من حيث غناهم ومجدهم الأرضي، ولا من حيث سطوتهم واتساع مملكتهم؛ ولكن من حيث حكمتهم وفطنتهم التي هي ثمرة طاعتهم لوصايا الناموس وحفظهم لفرائض إلههم وأحكامه. فلا شكَّ أن الشعوب المحيطة بهم سوف يقولون عنهم حينما يسمعون كل هذه الفرائض: «هذا الشعب العظيم إنما هو شعب حكيم وفَطِن» (4: 6). إلاَّ أن هذه العظمة لا تكمن في الأحكام الخاصة بتدبير الأُمة وحُكمها، ولكنها تقوم أساساً على العلاقة الوطيدة بين الله وشعبه المبنية على العهد الذي أقامه معهم. ويتضح هذا التميُّز في قوله: «لأنه أي شعب هو عظيم له آلهة قريبة منه كالرب إلهنا في كل أدعيتنا إليه» (4: 7). فعظمة الشعب تكمن في ارتباطه بإلهٍ قريب منه سريع الاستجابة لكل أدعيته، كما تظهر أيضاً في شريعته السامية التي تتضمن أحكاماً عادلة وتعاليم روحية عالية: «فرائض الرب مستقيمة تُفرح القلب، وصية الرب مُضيئة تنير العينين عن بُعد. خشية الرب زكية دائمة إلى الأبد. أحكام الرب أحكام حق وعادلة معاً» (مز 19: 9،8 - الترجمة السبعينية).
الناموس وطبيعة الله غير المنظورة (4: 9-24):
تبدأ هذه الفقرة بتحذير شديد: «إنما احترز واحفظ نفسك جداً» (ع 9)، ويتكرر هذا التحذير بعد ذلك مرتين في نفس الفقرة: «فاحتفظوا جداً لأنفسكم» (ع 15)، وأيضاً: «احترزوا من أن تنسوا» (ع 23).
فلماذا كل هذا التحذير الذي بدأه موسى بقوله: «إنما» التي تُنطق في العبرية (راق = فقط) وتفيد التحديد والتعيين لأمرٍ يراه في غاية الأهمية ويلزم الانتباه إليه، وهو الذي عبَّر عنه قائلاً: «لئلا تنسى الأمور التي أبصرتْ عيناك، ولئلا تزول من قلبك كل أيام حياتك، وعلِّمها أولادك وأولاد أولادك» (ع 9). فما هي هذه الأمور التي أبصرتها عيونهم والتي يُحذِّرهم لئلا ينسوها ولئلا تزول من قلوبهم، والتي يجب أن يُلقِّنوها لأولادهم وأولاد أولادهم؟
يضيف موسى قائلاً عن تلك الأمور التي حدثت: «في اليوم الذي وقفت فيه أمام الرب إلهك في حوريب حين قال لي الرب: اجمع لي الشعب فأُسمعهم كلامي لكي يتعلَّموا أن يخافوني كل الأيام التي هم فيها أحياءٌ على الأرض ويُعلِّموا أولادهم، فتقدَّمتم ووقفتم في أسفل الجبل، والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلَّمكم الرب من وسط النار، وأنتم سامعون صوت كلام، ولكن لم تَرَوْا صورةً بل صوتاً» (تث 4: 10-12).
في ذلك اليوم المشهود في التاريخ الذي ليس له مثيل من قبل ولا من بعد، الذي فيه دعا موسى كل الشعب لكي يمثل أمام الرب كأول اجتماع في حضرة الرب، الذي يمكن أن نعتبره ميلاداً للكنيسة، كما اعتبره القديس كيرلس الأورشليمي في عظاته للموعوظين(1)؛ والذي كان حسب التقليد اليهودي في السادس من شهر سيوان، الذي يوافق عيد الحصاد أو عيد الخمسين، وقد صار فيما بعد تذكاراً لإعطاء التوراة لموسى على جبل سيناء(2).
قال موسى النبي عن هذا اليوم في نفس هذا الخطاب: «فاسأل الأيام التي كانت قبلك، من اليوم الذي خلق الله فيه الإنسان على الأرض، ومن أقصاء السماء إلى أقصائها، هل جرى مثل هذا الأمر العظيم أو هل سُمِع نظيره؟ هل سمع شعب صوت الله يتكلَّم من وسط النار - كما سمعت أنت - وعاش؟... إنك قد أُريتَ لتعلم أن الرب هو الإله، ليس آخر سواه، من السماء أسمعك صوته لينذرك، وعلى الأرض أراك ناره العظيمة، وسمعت كلامه من وسط النار» (تث 4: 33،32، 36،35).
لقد كلَّمهم من وسط النار والظلام والضباب والسحاب، وسمعوا صوته، ولكنهم لم يروا شخص الذي كان يُكلِّمهم ولا صورته. لذلك اهتم موسى أن يُلفت نظرهم جداً إلى هذه الحقيقة، لأن طبيعة الله المجردة غير المنظورة، وغياب أية صورة مادية له، فرضت صعوبات كبيرة على هذا الشعب الذي كان يعيش في وسط شعوب صوَّرتْ آلهتهم في أشكالٍ مادية متعدِّدة. لذلك اقتضى الأمر هذا التحذير الشديد المتكرر، لئلا يُقلِّدوا الأُمم في عبادتهم للأوثان ويبتعدوا عن الإله الحي الذي ميَّزهم عن كل شعوب الأرض، واصطفاهم ليكونوا له شعباً مختاراً، وقطع معهم عهده بأن يحفظوا وصاياه التي كتبها لهم على لوحين من الحجر، ويتمسَّكوا بفرائضه وأحكامه التي أعلمهم بها موسى، لكي يعملوا بها في الأرض التي كانوا مزمعين أن يعبروا إليها ليمتلكوها.
لقد كانت الشعوب الأخرى تتعبد لآلهة متعددة، مع أن الله لم يترك نفسه بلا شاهد، كما قال القديس بولس الرسول لأهل لسترة: «مع أنه لم يترك نفسه بلا شاهد، وهو يفعل خيراً، يُعطينا من السماء أمطاراً وأزمنةً مثمرةً، ويملأ قلوبنا طعاماً وسروراً» (أع 14: 17)؛ وكما أكَّد ذلك أيضاً في رسالته إلى أهل رومية: «لأن أموره غير المنظورة تُرَى منذ خلق العالم مُدركةً بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر» (رو 1: 20)، ولكنهم «أبدلوا مجد الله الذي لا يَفنَى بشبه صورة الإنسان الذي يَفنَى، والطيور والدواب والزحَّافات... واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق، الذي هو مباركٌ إلى الأبد. آمين» (رو 1: 23-25).
لذلك حذَّرهم موسى بشدة لئلا يتمثلوا بتلك الشعوب الوثنية الذين حمقوا في أفكارهم وأظْلَمَ قلبهم، ولم يستطيعوا أن يُدركوا من المصنوعات قدرة الله السرمدية الظاهرة أمامهم في المخلوقات المحيطة بهم، «وسجدوا لأعمال أيديهم» (إر 1: 16).
من أجل ذلك أفاض موسى في تحذيرهم بشتَّى الطرق مُبيِّناً لهم خطورة التشبُّه بهم، مُذكِّراً إيَّاهم أنهم لم يروا صورة ما لله يوم كلَّمهم في حوريب من وسط النار، لئلا يفسدوا ويعملوا لأنفسهم تمثالاً منحوتاً على هيئة إنسان، ذكراً كان أو أُنثى، أو شبه بهيمة أو طير، أو شبه دبيب ما على الأرض، أو شبه سمك يسبح في الماء. فقد كانت الشعوب غارقة في مثل هذه الضلالات. وكان المصريون الذين عاشوا بينهم يعبدون ملوكهم ويصنعون لهم تماثيل يسجدون لها. كما كانوا يعبدون عجل أبيس، بل كان عندهم عدد كبير من البهائم التي يؤلِّهونها. فكانت الإلهة ”حتحور“ تُشبَّه بتمثال بقرة، كما كانوا يُشبِّهون الآلهة بالطيور ذوات الأجنحة، فكان الإله ”حورس“ يُشبَّه بصورة صقر. كما وجدوا في مقابر قدماء المصريين الكثير من الحيوانات والطيور المحنطة مثل القطط والكلاب والتماسيح والثيران وحيوانات أخرى عديدة. بل كانوا يُمثِّلون أحياناً آلهتهم بكائن له وجه حيوان وجسم إنسان. وكان الجُعْل الذي يُمثِّل الخنفساء من المخلوقات التي تدبُّ أو تزحف على الأرض، والتي قدَّسها المصريون وعبدوها واستخدموها كتميمة أو حجاب له فاعلية السحر. كما عبد المصريون الحيات اتقاءً لشرِّها.
ثم توجَّه موسى في تحذيره لبني إسرائيل من عبادة المخلوقات التي على الأرض أو في الهواء أو في الماء من تحت الأرض، إلى الكائنات التي يرونها في السماء مثل الشمس والقمر والنجوم لئلا يغترّوا بها ويسجدوا لها ويعبدوها، فقد كان يعبدها أيضاً المصريون. والخطورة تقبع هنا ليس في عمل صورة أو تمثال لهذه الأشياء والسجود لها، بل في اتخاذها كموضوع للتأليه والعبادة، باعتبارها مصدراً للنور والدفء والحيوية. فقد كان قوم من المصريين والكنعانيين الأكثر تفلسفاً وتعمُّقاً في فكرهم، يُدركون أن التماثيل ليست آلهة في حدِّ ذاتها ولكنها تمثِّل الآلهة. لذلك عمدوا إلى النظر إلى أشياء أخرى يرونها جديرة بالعبادة لقوتها وفاعليتها في الخليقة مثل الشمس التي دعاها أخناتون: الإله ”رع“. وفي بلاد ما بين النهرين (العراق) عبدوا القمر الذي كانوا يدعونه: الإله ”سِنْ“، والشمس التي كانوا يسمونها: الإله ”شَمَش“. وفي كنعان كانوا يعبدون ”يا راه“ إله القمر، و”شاماش“ إله الشمس، و”أستار“ الذي يُمثِّل نجم الزهرة (Venus star).
أمام كل هذه المخاطر المحيطة بهم بسبب الأمم الوثنية الذين يعيشون بينهم، اضطر موسى أن يُكرِّر تحذيراته لهم، لأنه يعرف ضعفهم فقد سبقوا فعملوا لأنفسهم العجل الذهبي في سيناء (خر 32)، وعبدوا بعل فغور في سهول موآب (عد 25)؛ بل إنهم رغم كل هذه التحذيرات، فقد وقعوا فيما بعد في نفس هذه المحظورات وتركوا الإله الحي وعبدوا آلهة الأمم في مستهل عهد القضاة (قض 2)، ثم تكرر ذلك مراراً في عهد ملوك إسرائيل حتى شتَّتهم الرب بين الأمم عقاباً على تركهم للرب إلههم.
ثم عاد موسى يُذكِّرهم بأعمال الرب المجيدة معهم، عندما أخذهم من أرض غربتهم وأخرجهم من نار عبودية مصر ونيرها القاسي، لكي يتخذهم لنفسه شعباً خاصاً ويُورِّثهم أرض الموعد، الأمر الذي حُرِمَ منه هو شخصياً بسببهم، فلن يعبر الأردن معهم. أما هم فسوف يعبرون ويمتلكون تلك الأرض الجيدة. لذلك فعليهم أن يحترزوا لأنفسهم جداً لئلا ينسوا عهد الرب إلههم الذي قطعه معهم، ويرتدُّوا عن الإله الحي ويصنعوا لأنفسهم تمثالاً منحوتاً أو صورة يتعبَّدون لها من دون الله. وهكذا يُشعلون عليهم نار غيرة الله: «لأن الرب إلهك هو نار آكلة، إله غيور» (تث 4: 24). فهو لا يرضى إلاَّ بمحبته من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة (تث 6: 15). فعلاقة العهد كانت مؤسَّسة على المحبة، بمبادرة من الله الذي قطع العهد، وهي تستلزم استجابة بالمحبة من جانب شعب إسرائيل. فإذا ترك إسرائيل محبته لله بصنعه تمثالاً يتعبد له، فإنه يثير غيرة الله المُحب، لأن المحبة نار «لهيبها لهيب نار، لظى الرب. مياه كثيرة لا تستطيع أن تُطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها» (نش 8: 7،6).
ويُعلِّق على ذلك العلاَّمة أوريجانوس قائلاً:
[«الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا» (يو 4: 24). وإلهنا أيضاً «نار آكلة». إذن، فالله يُدعى باسمين: روح، ونار. فهو للأبرار روح، وللخطاة هو نار](3).
ويُعلِّق أيضاً القديس أمبروسيوس قائلاً:
[لذلك يدعوه الأنبياء أنه نار آكلة، لهذه الأسباب الثلاثة: إذ نرى فيها بأكثر شدة جلال الله، ولأن التقديس هو من الله، والاستنارة هي صفة من صفات النار والنور. والله عادةً ما يُشار إليه أو يُرَى في هيئة نار: «لأن إلهنا نار آكلة»، كما قال موسى (خر 3: 1-6)](4).
وقال أيضاً القديس جيروم:
[إذا كان الله ناراً، فهو نار لكي يطرد البرودة التي حصلت من إبليس](5).
(يتبع)
(1) Catechetical Lectures, 18,24.
(2) The JPS Torah Commentary, Exodus, by Nahum M. Sarna.
(3) Origen, Homilies on the Gospel of Luke 26.1.
(4) St. Ambrose, On the Holy Spirit 1.14.164.
(5) St. Jerome, Homilies on the Psalms 57.
