من تاريخ كنيستنا

- 107 -


الكنيسة القبطية في بداية القرن السابع عشر
البابا مرقس الخامس
البطريرك الثامن والتسعون
في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري
(1603 - 1619م)

موطنه ورهبنته:
كان هذا الأب من أهالي ”البياضية“ (هناك 4 قرى بهذا الاسم في الصعيد). وكانت وظيفته قيَّاساً (أو مسَّاحاً) في أعمال المساحة. ثم أحب حياة الزهد والتنسُّك، فترك العالم، وانخرط في سلك الرهبنة في دير القديس أنبا مقار ببرية شيهيت. وكان عالماً بكل الشرائع (تفاصيل هذه السيرة مأخوذة من كتاب ”تاريخ البطاركة“ لأسقف فوه).

اختياره للبطريركية:

بعد انتقال البابا غبريال الثامن من هذا العالم، ظلَّ الكرسي البطريركي خالياً لمدة شهر وستة عشر يوماً. وبعد البحث، اجتمع مجمع الأساقفة مع الأراخنة، ووقع اختيارهم للكرسي البطريركي على الراهب مرقس المقاري.

رسامته بطريركاً:

وقُدِّم هذا الأب في يوم الأحد 26 بؤونة سنة 1319ش الموافق 30 يونية سنة 1603م، ورُسِمَ بطريركاً على كرسي الإسكندرية باسمه الرهباني ”البابا مرقس الخامس“ في كنيسة ”الشهيد مرقوريوس أبو سيفين“ بمصر القديمة. وكان المطران المتقدِّم بين الأساقفة هو أنبا خريستوذولوس النقادي، في أيام السلطان محمد الثالث وولاية الوزير على باشا السلحدار.

+ وقيل عن البابا إنه كان عالِماً مثقَّفاً، متبحِّراً في كل الشرائع والعلوم الكنسية.

زيارة البابا للقدس وعنايته بأوقاف الكنائس:

ومن وثيقة قديمة تُسمَّى ”التقليد“ الصادرة من البابا مرقس الخامس في 12 بؤونة سنة 1320ش/ 16 يونية 1604م إلى القمص يعقوب الراهب بتعيينه ”رئيساً لكنيسة القيامة في القدس“؛ يُفهم أن البابا مرقس الخامس زار الأراضي المقدسة وعاين بنفسه أملاك الكنيسة والأقباط. ودعا الشعب القبطي إلى معاونة الرئيس المذكور لصيانة وحِفْظ هذه الأملاك.

ثورة أقباط الوجه البحري ضد البابا، وعَزْله:

يتضح من هذا الخبر تدهور المستوى الروحي المسيحي بين الأقباط نتيجة تدهور سلك الإكليروس، وذلك نتيجة مناوءة الأقباط في الوظائف الحكومية، وانعدام العناية بالأديرة، وندرة الآباء الروحيين فيها؛ ذلك أنَّ أهالي الوجه البحري قاموا بمعاداة الأب البطريرك بسبب عدم استجابته لمطالب بعضهم بشأن الأصوام، والزيجة (ويبدو أن هذه الثورة مرتبطة أو هي امتداد لِمَا حدث مع البابا السابق غبريال الثامن الذي قام بتعديلات جوهرية في أصوام الكنيسة، ما أدَّى إلى عَزْل البابا بأمر الوالي بسعاية من بعض المسيحيين (ارجع إلى عدد مارس 2013، ص 30). وقد قام متولِّي مصر بحبس هذا البابا في برج الإسكندرية بناءً على طلب أهالي الوجه البحري، وأقاموا بطريركاً آخر عِوَضاً عنه.

+ ولما عَلِمَ أهل القاهرة بما جرى للبابا مرقس، وإقامة بطريرك آخر عِوَضاً عنه؛ لم يوافقوا على هذا التصرُّف ولم يقبلوا البابا الجديد، بل أهانوه وقطعوا ذيل حماره! وظل البابا مرقس معتقلاً بالبرج مدة كبيرة، وأخيراً تقدَّم جماعة الأراخنة بمصر إلى الوالي وبذلوا لديه سَعْيهم، حتى أطلق لهم سبيل البابا مرقس، ورجع إلى كرسيه مُكرَّماً.

الأسباب الخفية وراء هذه الثورة،

كما شرحها علماء التاريخ:

إنه على أثر إقامة البابا مرقس على كرسي البابوية، طلب إليه المسيحيون في بلدة ”الريدانية“ أن يأذن لهم بتعدُّد الزوجات. فوبَّخهم على هذه الجسارة. فتحزَّبوا ضده، واشتكوا للوالي طالبين عَزْله (لم يذكر المؤرِّخون تفاصيل هؤلاء الأشخاص ولا مطالبهم الحقيقية)؛ فحَبَسَه الوالي في برج الإسكندرية، وأَذِنَ لهم برسامة بطريرك بدلاً عنه، فأغووا راهباً وكرَّسوه بطريركاً (أي أنَّ بعض الأساقفة كانوا متورِّطين في هذه الثورة). فأَذِنَ لهم بالطلاق وتعدُّد الزوجات.

ولكن لم تمضِ مدة حتى ثار مسيحيو القاهرة والصعيد، وتوجَّه وفد منهم إلى الوالي والتمسوا عفوه عن البابا مرقس بداعي أنَّ الذي رسمه أهل تلك الجهة كان لغرض في نفوسهم، وهو الإذن بالطلاق وتعدُّد الزوجات، وهو الأمر المُخالف للإنجيل. فعفا الوالي عـن البابا، وردَّه إلى كرسيه.

+ وفي هذه الحركة ”الريدانية“ انضمَّ مطران دمياط لأهلها، وجاهر بأن تعدُّد الزوجات غير ممنوع في الإنجيل. فأصدر البابا مرقس أمراً بحَرْم تعدُّد الزوجات، وحَرْم المطران الذي نادى بذلك؛ فانضمَّ هذا المطران بعد ذلك الحَرْم إلى أعيان الريدانية، وشكوا البابا للوالي، فقبض عليه وحبسه.

حينما يصير النور ظلاماً:

من المؤلم أن النور الذي وضعه الله في شعبه وكنيسته حينما يصير ظلاماً بسبب الانحراف عن وصايا المسيح، لابد أن يترتَّب عليه أن يرفع الله يده عن هؤلاء المُتعدِّين، رغم عودة البابا إلى كرسيه. فقد ضيَّق الولاة على هؤلاء ثم أمروا بإبعادهم عن بلادهم، وبعد ذلك صادروا أموالهم(1).

عودة البابا مرقس، ونفي البطريرك الدخيل:

وبعد إطلاق سبيل البابا مرقس من الاعتقال وعودته إلى كرسيه، ظل أهل الحزب الأول مُصرِّين على عنادهم، متمسِّكين ببطريركية الدخيل، إلى أن ضعف نفوذهم وتفرَّق أنصارهم على توالي الزمن.

+ وقال كاتب هذه السيرة في كتاب ”تاريخ البطاركة“ تأليف أسقف فوه، إنه رأى بنفسه منازل أعيان الريدانية وقد صارت خرائبَ ومقالب للقمامة بعدما كانت دوراً عامرة وقصوراً مُشيَّدة(2).

استمرار دسائس الكاثوليك في إثيوبيا:

لما مات ملك إثيوبيا الكاثوليكي في 24 أكتوبر سنة 1604م، تولَّى المُلْك من بعده ”الملك يعقوب سجاد الثاني“ للمرة الثانية، وظل يحكم المملكة حتى 10 مارس سنة 1607م. وكانت أحوال الكنيسة الإثيوبية في أيامه هادئة، وظلَّت كذلك، إلى أن تولَّى أحد أفراد العائلة المدعو ”شنودة“، وقد حَكَمَ إثيوبيا من سنة 1607م إلى 17 سبتمبر سنة 1632م، واستمرت الأحوال في بداية حُكْمه هادئة. إلاَّ أنَّ ”بادرو فيز اليسوعي“ لم يغفل طرفة عين عن جَذْب قلب الملك إليه، حتى فاز أخيراً بأَخْذه إلى صفِّه.

ولم يهتم الناس هناك أولاً إلى هذا الأمر على ظنِّ أن المحاولات السابقة علَّمتهم أن لا يُلقي الملك بنفسه ورعيته في مهاوي الهلاك. ولكن جاء الأمر بخلاف ما كانوا يتوقَّعونه، إذ علموا أنه ينوي إرسال وفد إلى رومية ليعرض على البابا الروماني خضوع الملك الإثيوبي ورعيته له.

+ فهاج الإثيوبيون وماجوا، وهمُّوا بالدفاع عن مذهبهم القديم القويم، وعقيدتهم المستقيمة، واستقلالهم الديني.

+ كما نادى المطران القبطي في إثيوبيا بحَرْم التعاليم البابوية (الرومانية)، وحَرْم مَن يتمسَّك بها. فعمَّت هذه الفتنة في جميع البلاد، ووقعت في حروب وارتباكات داخلية دامت ست سنوات، كانت نتيجتها الويل والخراب على الملك ورعاياه وكل مملكته.

انتفاضة صريحة ضد التعسُّف التركي:

لم يخلُ تاريخ الشعب المصري، والأقباط بصفة خاصة، من الانتفاضات ضد الغزو والاحتلال الأجنبي. ففي هذا العهد العثماني التركي، انتفض المصريون، والأقباط من بينهم، ضد التعسُّف التركي. فقد قامت ثورة بدأت في طنطا وامتدَّت نحو القاهرة. ولكن جنود الوالي استطاعوا أن يُخمدوها بقسوة في مدينة ”الخانكة“(3).

انتقال البابا مرقس الخامس:

وبعد نجاح الانتفاضتين: الإثيوبية في إثيوبيا، والمصرية في مصر، وكلتاهما كانتا ضد مستعمر خارجي: الأولى دينية في إثيوبيا، والثانية سياسية في مصر؛ انتقل البابا مرقس الخامس إلى كنيسة الأبكار. وكان ذلك يوم عيد النيروز أول توت سنة 1336ش/ 9 سبتمبر 1619م، واحتُفل بجنازته ودُفِن في مقبرة الآباء البطاركة بدير القديس أنبا مقار في برية شيهيت. وكان ذلك في أيام السلطان التركي عثمان، وولاية مصطفى باشا في مصر.

تاريخ الكنيسة يُسجِّل

بعضاً من سلبيات هذا العصر:

ذَكَرَ واضع سيرة هذا البابا في ذيل ”تاريخ البطاركة“ لأسقف فوه الذي كان مُعاصراً لهذا الأب البطريرك ما يلي:

- ”إن البابا مرقس كان مُحبّاً للفضة والشراب، وإنَّ كل ما أصابه من النوائب والشدائد والاعتقال والنفي، كان بسبب ذلك. وقد كان كل ما أصابه درساً استفاد منه وجعله يَعْدِل عنه قبل مماته“.

البابا يؤانس الخامس عشر
البطريرك التاسع والتسعون في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري
(1619 - 1629م)

لما تنيَّح البابا مرقس الخامس، اجتمع مجمع الأساقفة بحضور الرؤساء الأراخنة لاختيار البطريرك الجديد. وقد تمَّ الاتفاق بينهم على ترشيح الراهب ”يوحنا“ من أهل ”مَلَّوي“ بالصعيد. وكان راهباً عفيفاً عالماً بالكُتُب المقدسة، ومُطَّلعاً على المؤلَّفات القيِّمة المحفوظة بمكتبة الدير.

+ وقد أقاموه بطريركاً في اليوم السابع من نياحة البابا مرقس، باسم البابا ”يؤانس الخامس عشر“ البطريرك الـ 99. وكان ذلك في يوم الأحد الموافق السابع من شهر توت سنة 1336ش/ 15 سبتمبر 1619م. وذلك في أيام السلطان التركي في اسطنبول ”عثمان“، وولاية ”مصطفى“ باشا والي مصر.

عدالة قضائه:

كان هذا البابا لا يُحابي أحداً على أحد من الناس. وكانت كل أحكامه عادلة. فكان لا يحيد عن الحق مهما كان مركز المتقاضين أمامه، ولذلك نال بجدارة واستحقاق لقب ”القاضي العادل“ (كما ورد في كتاب ”تاريخ البطاركة“ تأليف يوساب أسقف فوه، ص 186).

سماته الشخصية:

كان رجلاً طيب القلب، نقي السريرة، مُحبّاً للكنيسة، عطوفاً على الكهنة. وفي الحياة المسيحية كان ورعاً تقيّاًَ وقنوعاً. لم يطلب من أحد شيئاً من أمور الدنيا طيلة حياته. وكان مُداوماً على الصلوات ليلاً ونهاراً، مُحبّاً للمساكين والغرباء، حنوناً على الفقراء.

حدوث الوباء (الطاعون) في عهده:

وحدث في أيام هذا البابا وباء عظيم لم يحصل مثله قط، وكان ذلك في سنة 1338ش/ 1622م، وأطلقوا عليه ”الفصل الأسود“. وظل الوباء متفشِّياً في أرض الصعيد من أول شهر طوبة إلى آخر شهر برمودة، حتى باد الناس وخربت أكثر البيوت.

+ ومرة أخرى حلَّ الوباء على مصر، وكان ذلك في سنة 1341ش، وكان البابا آنذاك في الصعيد، وعاد منه إلى مصر. وشمل الوباء كل أرض مصر. لكنه هذه المرة كان أقل شدَّة من الوباء السابق (سنة 1338ش).

+ وفي السنة التالية لهذا الوباء الثاني، سافر البابا إلى الصعيد، ورجع بعد ذلك إلى مصر. وكانت هذه الزيارة هي الأولى لهذا البابا.

+ كانت الكنيسة الإثيوبية تُعاني من وجود الآباء اليسوعيين، الذين سبَّبوا لها متاعب كثيرة، منها سيطرتهم على المملكة الإثيوبية في أيام ”سوسينيوس سجاد الثالث“ ملك إثيوبيا الذي تولَّى الحُكْم من سنة 1607-1637م، أيام هذا البابا يؤانس الخامس عشر.

وقد كان في أيام بطريركية البابا يؤانس الخامس عشر مطارنة أقباط يرأسون الكنيسة الإثيوبية وهم: المطران بطرس الذي تولَّى الرئاسة بعد المطران خريستوذولوس في أيام البابا مرقس الخامس، وكان ذلك سنة 1607م. وبعد نياحة المطران بطرس تولَّى بعده إدارة كنيسة إثيوبيا المطران سيمون حتى وفاته سنة 1617م. وقد تولَّى بعده مطران غير قانوني لم تُرسله الكنيسة القبطية في مصر وكان اسمه ”رزق الله“، لأن كرسي المطرانية ظل خالياً من المطارنة الأقباط الشرعيين حتى سنة 1637م.

+ وخلال هذه الفترة استمر الشعب الإثيوبي يُعاني الأَمَرَّين نتيجة لاستمرار نشاط الرهبان اليسوعيين ضد الكنيسة الإثيوبية بل والكنيسة القبطية في مصر.

+ ومما يجدر ذكره أن الكنائس القبطية في القدس كانت تابعة لمصر، التي كان لواليها السلطة المباشرة على المدينة المقدسة(4).

أواخر أيام البابا يؤانس الخامس عشر:

في أثناء عودة البابا من رحلته الافتقادية الثانية إلى صعيد مصر، عَبَرَ قداسته على ناحية بلدة أبنوب وقضى فيها ليلته عند أحد أعيان تلك المدينة. وفي تلك الليلة أحسَّ البابا بألم شديد في معدته. وذَكَرَ المؤرِّخون أن سُمّاً وُضِعَ سرّاً في الطعام الذي تناوله البابا في بيت هذا الرجل، وقيل إن هذا الرجل كان ”متسرِّياً“ أي يُساكن أكثر من زوجة سرّاً. وقد نهاه البابا عن هذه العادة المُخالفة للإنجيل، وقد ثبت من تاريخ هذه الفترة التي عاش فيها الأقباط (ما بين القرن السادس عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر) أنَّ هذه العادة كانت سارية عند بعض الأقباط الأثرياء. إلاَّ أن البابوات كانوا يَنهون الأقباط عنها. ولعل هذا الرجل كان أحد الذين طالبوا البابا السابق بالسماح بتعدُّد الزوجات!!

+ ولما شعر البابا باشتداد وطأة المرض، طلب مركباً للسفر عليها، فأحضروها له وركبها متوجِّهاً إلى مصر القديمة. ولكن بعد سير المركب بقليل، تنيَّح البابا وهو في طريقه إلى مصر القديمة، وكان ذلك أمام قرية البياضية، وهناك صلُّوا عليه صلوات الجنازة، ودفنوه في دير القديس أنبا بيشوي. وكانت وفاة هذا البابا في يوم الخامس من شهر النسيء سنة 1346ش/ 7 سبتمبر 1629م. وكان ذلك في أيام السلطان مراد الرابع.

+ وظل الكرسي البطريركي خالياً لمدة سنة كاملة. وهكذا كانت مـدة إقامة البابا يؤانس الخامس عشر على الكرسي البطريـركي 9 سنوات، 11 شهراً، و22 يوماً.

(1) الكافي، جزء 3، ص 4؛ عن كتاب: ”قصة الكنيسة القبطية“ - الكتاب الرابع - ص 34.
(2) ذيل فوه، ص 185 ”أ“؛ عن كتاب ”سلسلة تاريخ البطاركة“، المرجع السابق، ص 91.
(3) كتاب: ”مصر والهلال الخصيب“، ص 75؛ عن كتاب: ”قصة الكنيسة القبطية“، الكتاب الرابع، ص 34.
(4) ”القدس عَبْر التاريخ“، تأليف ميخائيل مكسي، ص 69؛ عن كتاب: ”قصة الكنيسة القبطية“، الكتاب الرابع، ص 38.