سفر التثنية
سفر توصيات موسى الوداعية لبني إسرائيل
- 49 -


(تابع) تفاصيل العهد وشروطه
(12: 1 - 26: 19)
ثالثاً: الأحكام المتعلقة بالأمور الاجتماعية وعلاقتها بالعبادة
(21: 1-26: 19)

الأصحاح الرابع والعشرون

أحكام بخصوص الأسرة والعلاقات الاجتماعية
الطلاق وردّ الزوجة المُطلَّقة:

+ «إذا أخذ رجلٌ امرأةً وتزوَّج بها، فإنْ لم تجد نعمةً في عينيه لأنه وجد فيها عيبَ شيءٍ، وكَتَبَ لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، ومتى خَرَجَتْ من بيته ذَهَبَتْ وصارت لرجلٍ آخر. فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتَّخذها له زوجةً، لا يقدر زوجها الأول الذي طلَّقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجةً بعد أن تنجَّست، لأن ذلك رِجْسٌ لدى الرب. فلا تجلب خطيةً على الأرض التي يُعطيك الرب إلهك نصيباً» (24: 1-4).

لا يوجد نصٌّ واضحٌ وصريحٌ في العهد القديم كله يُصرِّح بالطلاق في إسرائيل بأسلوبٍ قاطع. بل هناك على العكس نصوصٌ تدلُّ على أنه شيء مُستهجن وغير مُستحب، رغم وجوده كأمر واقع كان يحدث بين عامة الشعب لظروف قهرية تمنع المعاشرة الزوجية، حيث اكتشف الزوج في زوجته عيباً بعد زواجه منها. ولكن يلزم أن يكتب لها كتاب طلاق.

ولكي يُبيِّن الرب كُرهه للطلاق، فهناك وصية للكهنة بني هارون تقول: «امرأة زانية أو مُدنَّسة لا يأخذوا، ولا يأخذوا امرأة مُطلَّقةً من زوجها. لأنه (الكاهن) مُقدَّسٌ لإلهه» (لا 21: 7). كما يوصي الرب أيضاً الكاهن الأعظم بين إخوته قائلاً: «هذا يأخذ امرأةً عذراء. أما الأرملة والمُطلَّقة والمدنَّسة والزانية، فمن هؤلاء لا يأخذ، بل يتخذ عذراء من قومه امرأة» (لا 21: 14). بل إن وصية الرب لشعب إسرائيل على لسان ملاخي النبي: «فاحذروا لروحكم، ولا يغدر أحدٌ بامرأة شبابه. لأنه يكره الطلاق قال الرب إله إسرائيل» (ملا 2: 15)، إذ اعتبر الرب الطلاق غدراً من الإنسان بشريكة حياته.

أمَّا الرب يسوع لما سُئل من الفرِّيسيين: «هل يحلُّ للرجل أن يُطلِّق امرأته؟ ليُجرِّبوه، فأجاب وقال لهم: بماذا أوصاكم موسى؟ فقالوا: موسى أَذِن أن يُكتبَ كتابُ طلاقٍ فتُطلَّق. فأجاب يسوع وقال لهم: من أجل قساوة قلوبكم كَتَبَ لكم هذه الوصية. ولكن من بدء الخليقة ذكراً وأُنثى خلقهما الله. من أجل ذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً. إذاً ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يُفرِّقه إنسان» (مر 10: 2-9).

وهكذا جاء المسيح بنصٍّ من العهد القديم - منذ بدء الخليقة - يُبيِّن عدم موافقة الطلاق للإنسان الذي اقترن بزوجة، لأنَّ «الذي جمعه الله لا يُفرِّقه إنسان». كما كشف الرب عن سببٍ آخر جوهري في عدم جواز الطلاق بقوله: «مَن طلق امرأته وتزوَّج بأخرى يزني عليها. وإن طلَّقت امرأة زوجها وتزوَّجت بآخر تزني» (مر 10: 12،11). كما جاء أيضاً في إنجيل متى: «قيل: مَن طلَّق امرأته فليُعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم: إنَّ مَن طلق امرأته إلاَّ لعِلَّة الزنى يجعلها تزني، ومَن يتزوَّج مُطلَّقةً فإنه يزني» (مت 5: 31).

وفي هذا النصِّ من سِفْر التثنية الذي أمامنا الآن، فإنه يُشير إلى حالة رجل اكتشف في امرأته بعد زواجه منها، عيباً ما اعتبره شائناً يجعل حياته معها أمراً مستحيلاً. ولكن هذا لا يعني أنها زنت بأيِّ حال من الأحوال، لأن الزنا عقوبته الرجم في ناموس موسى. إلاَّ أنه طالَب الرجل بأن يكتب لزوجته كتاب طلاق، أي وثيقة انفصال ويضعها في يد المرأة ويصرفها من بيته، والقصد من ذلك يشرحه القديس أوغسطينوس قائلاً:

[شرح الرب القصد من الناموس الذي قضى بأن يُعطَى كتاب طلاق في كل حالة يحدث فيها طلاق لزوجة. فالوصية بعدم تطليق الزوجة هو ضد القول بأنه من حقِّ الرجل أن يُطلِّق زوجته متى شاء، فهذا هو ما لم يَقُله الناموس. بل بالعكس، فهو يمنع أن يُطلِّق الرجل زوجته، حيث إن الناموس يقضي بهذه الخطوة الوسطى، لكي يُعطي فرصةً للرجل لمراجعة رغبته في الانفصال عند كتابة وثيقة الطلاق، حتى يكون هناك وقت لدى الرجل للتريُّث والتفكير في مدى جسامة هذا القرار للطلاق من زوجته](1).

كما أمر الرب أيضاً أنه متى خرجت الزوجة من بيت زوجها بعد طلاقه منها، وتزوَّجت بآخر، لا يسوغ لزوجها الأول أن يستردها، إذا حدث أن أبغضها الزوج الثاني وكتب لها كتاب طلاق، أو مات، «لأن ذلك رجس لدى الرب». ومعنى هذا أن استرداد الزوج لزوجته التي طلَّقها وتزوَّجت بغيره أمرٌ مكروه عند الرب، والسبب هو أنها ”قد تنجَّست“، وعودتها إلى زوجها الأول ”رجسٌ لدى الرب“. بينما كان يمكن للزوج أن يستردَّ زوجته التي طلَّقها ما دامت لم تتزوَّج برجل آخر.

فماذا يكون القصد من هذه الأحكام؟ من الواضح أن الهدف منها هو منع الطلاق المتعجِّل، واعتبار الطلاق أمراً خطيراً قد يؤدِّي إلى خطية الزنا. أَضِف إلى ذلك أنه يحدُّ من سهولة انتقال المرأة من رجل إلى رجل آخر، فهذا الانتقال يُنجِّس المرأة، ولأن «مَن يتزوَّج مُطلَّقة فإنه يزني» (مت 5: 31) كما قال الرب يسوع. وفي النهاية، فإنَّ هذا القانون يرفع من قَدْر المرأة ويحفظ لها عفَّتها وكرامتها، ويجعل من الزواج وحدة وشركة دائمة بين رجل واحد وامرأة واحدة لمدى العمر. لذلك صار الزواج في المسيحية سرّاً مُقدَّساً.

أما قول الكتاب في آخر هذا النص الذي نحن بصدده: «فلا تجلب خطية على الأرض التي يُعطيك الرب إلهك نصيباً». فخطية الإنسان ومخالفته لوصية الرب هي التي تجلب اللعنة على الأرض، فآدم لَمَّا أكل من الشجرة المُحرَّمة، قال له الرب: «ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك...» (تك 3: 17-19). وقد حذَّر الرب بني إسرائيل من أن يُنجِّسوا الأرض التي هو مزمع أن يورِّثهم إيَّاها، باقترافهم الخطايا التي قد تنجَّس بها الشعوب الذين هو مزمع أن يطردهم منها، وذلك بقوله في سفر اللاويين: «بكل هذه لا تتنجَّسوا، لأنه بكل هذه قد تنجَّس الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامكم. فتنجَّست الأرض، فأجتزي ذنبها منها فتقذف الأرض سُكَّانها» (لا 18: 25،24)، «لأن جميع هذه الرجاسات قد عملها أهل الأرض الذين قبلكم فتنجَّست الأرض. فلا تقذفكم الأرض بتنجيسكم إيَّاها كما قذفت الشعوب التي قبلكم» (لا 18: 28،27).

حق الرجل المتزوِّج حديثاً:

+ «إذا اتَّخذ رجلٌ امرأةً جديدة، فلا يخرج في الجُنْد ولا يُحْمَل عليه أمرٌ ما. حُرّاً يكون في بيته سنةً واحدة ويَسُرُّ امرأته التي أخذها» (24: 5).

وُضعت هذه الشريعة لمصلحة الزوج المتزوِّج حديثاً. فقد كان يُعفَى من الخدمة العسكرية في أول سنة لزواجه، لئلا يموت في الحرب فتترمل زوجته وهي في أوج فرحها وسعادتها. فالربُّ يهمُّه فرح الإنسان ومسرَّته؛ كما يهمُّه مصير الأسرة من ترمُّلٍ للزوجة وتيتُّم للأبناء إذا مات الزوج في الحرب، فيترك طفلاً صغيراً.

عدم جواز رهن ما يقتات به الفقير:

+ «لا يَسْتَرهِن أحدٌ رَحًى أو مِرْداتها، لأنه إنما يَسْتَرهِن حياةً» (24: 6).

”الرَّحَى“ هي الأداة التي كانوا يستخدمونها لطحن الغلال، وما زالت مُستخدمة في ريف مصر. وهي مُكوَّنة من حجرَيْن، العلوي منهما يتحرَّك فوق الحجر السُّفلي الثابت. والكلمة العبرية للرَّحَى هي ”رحاييم“، أي زوج أو اثنين من الحجر. أما الحجر العلوي فيُسمَّى ”المرداة“، وفي العبرية ”رِكِبْ“ أي الراكب. أما السُّفلي فهو الحجر الثابت، والحجر العلوي هو الذي يتحرَّك فوق الحجر الثابت لطحن الغلال. ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما للطحن. وهذا النص ينهي عن رَهن الرَّحى أو أحد مرداتها مقابل دين، لأن الذي يفعل ذلك فإنما يَسْترهِن حياة. أي يستولي على الأداة التي يحصل منها صاحبها على قوت يومه. ويتضح من ذلك مدى حرص الوحي المقدس على حماية حقوق الإنسان في الحياة وحماية حقِّ الفقير في تحصيل رزقه.

قصاص مَن يسرق نفساً:

+ «إذا وُجـِدَ رجلٌ قد سرق نفساً من إخوته بني إسرائيل واسْتَرَقَّه وباعه، يموت ذلك السارق، فتنـزع الشرَّ من وسطك» (24: 7).

وَرَدَ هذا القانون من قبل في (خر 21: 16): «مَن سرق إنساناً وباعه أو وُجـِدَ في يده يُقتل قتلاً»، إلاَّ أنه لم يُحدِّد هنا إن كان هذا الإنسان من بني إسرائيل أو من شعب آخر. ولعل التحديد في سِفْر التثنية جاء لأنهم مزمعون أن يدخلوا أرض كنعان، ليعيشوا معاً كأُمة واحدة. ولكن تجريم هذا العمل يشمل كل إنسان يُعتَدَى عليه ويُخطف بقصد استرقاقه كعبد، أو بيعه، أو للانتقام من ذويه، أو لأَخْذ الدِّيـَّة عنه. فإن عقوبة هذه الجريمة هي موت السارق وإعدامه، لانتزاع الشرِّ من وسط الشعب، ولردع المجرمين.

شريعة البَرَص:

+ «احْرِصْ في ضربة البَرَص لتحفظ جداً وتعمل حسب كل ما يُعلِّمك الكهنة اللاويُّون، كما أمرتهم تحرصون أن تعملوا. اذْكُر ما صنع الرب إلهك بمريم في الطريق عند خروجكم من مصر» (24: 9،8).

ذُكِرَت التفاصيل الخاصة بشريعة تطهير الأبرص، وكل ما يُوصي به الله من جهة هذا المرض العضال إذا أصاب إنساناً في (لا 14،13). فليس هناك مرض مثله يتسبَّب في تشويه الإنسان، لذلك فقد اتَّخذه الوحي في العهد القديم مُمَثِّلاً للنجاسة الروحية التي تُسبِّبها الخطية في الإنسان. كما قد يصيب هذا المرض الملابس والبيوت (لا 14: 55). لذلك فإنَّ الرب يُوصيهم هنا بأن يعملوا كما يُعلِّمهم الكهنة من سبط لاوي كما جاء في سفر اللاويين. كما يذكِّرهم موسى أيضاً بما صنعه الرب إلههم بمريم أُخته التي ضربها الرب بالبرص نتيجةً لكلامها على أخيها موسى (عد 12: 10-15)، وحُجِزَت خارج المحلَّة سبعة أيام تنفيذاً لشريعة الرب.

أحكام خاصة بالقروض:

+ «إذا أقرضت صاحبك قرضاً ما فلا تدخل بيته لكي ترتهن رهناً منه. في الخارج تقف والرجل الذي تُقرضه يُخرج إليك الرَّهن إلى الخارج. وإن كان رجلاً فقيراً فلا تَنَمْ في رهنه. رُدَّ إليه الرهن عند غروب الشمس لكي ينام في ثوبه ويُباركك فيكون لك برٌّ لدى الرب إلهك» (24: 10-13).

رغم أنه كان محظوراً على الإسرائيلي أن يقرض أخاه برباً (23: 19)، أي أن يأخذ من أخيه فائدةً على ما يكون قد أقرضه إيَّاه، إلاَّ أن هذا لم يكن يمنع الدائن من الحصول على رهن كضمان للسداد. ومع ذلك فقد أوصى الرب شعبه أن يحرص الدائن على مشاعر المدين ولا يدخل بيته ليأخذ منه رهناً ما. بل عليه أن يقف خارجاً وأن يحضر له المدين ما يريد أن يُعطيه رهناً للدائن وهو واقف بالخارج. أما إذا كان المدين فقيراً وليس لديه ما يرهنه سوى ثوبه الذي يتغطَّى به ويستر به جسده، فقد كان أَمْر الرب للدائن الذي أقرضه أن يردَّ إليه الرهن عند غروب الشمس لكي ينام في ثوبه، تنفيذاً لوصية الرب التي جاءت أيضاً في سفر الخروج: «إن ارتهنت ثوب صاحبك فإلى غروب الشمس تردُّه له، لأنه وحده غطاؤه، هو ثوبه لجلده. في ماذا ينام؟ فيكون إذا صرخ إليَّ أني أسمع، لأني رؤوف» (خر 22: 27،26). أمَّا إذا تحنَّن المُقرِض وردَّ للمدين رهنه عند غروب الشمس لينام في ثوبه، فإنَّ لسان المدين سوف يُباركه. والرب أيضاً سيرى تحنُّنه ويحسبه له برّاً.

عدم ظلم الأجير:

+ «لا تظلم أجيراً مسكيناً فقيراً من إخوتك أو من الغرباء الذين في أرضك في أبوابك. في يومه تُعطيه أُجرته، ولا تغرب عليها الشمس لأنه فقير، وإليها حاملٌ نفسه، لئلا يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطيةٌ» (24: 15،14).

يذخر الكتاب المقدس كله في كلٍّ من عهديه القديم والجديد، بالوصايا التي تحضُّ على مراعاة حقوق المساكين والفقراء والأُجراء والغرباء. فهوذا نفس هذه الوصية تتكرر في أسفار موسى الخمسة قبل ذلك، فنجدها في سفر اللاويين: «لا تغصب قريبك ولا تسلب. ولا تَبِتْ أُجرة أجيرٍ عندك إلى الغد» (لا 19: 13). أما في العهد الجديد فقد دعا المسيح المساكين الفقراء والغرباء وكل الذين في ضيقة إخوته الأصاغر (مت 25: 40). لذلك يُوصي الرب شعبه هنا بألاَّ يظلموا أحداً، سواء كانوا من إخوتهم أو من الغرباء المساكين في وسطهم. وقد أوصى بصفة خاصة على الأجير، بأن تُعطَى أُجرته كاملة ولا تغرب عليها الشمس، لأنه لو لم يكن فقيراً لما اضطر أن يعمل أجيراً، لئلا يصرخ إلى الرب إذا ظلمته ويشكوك إليه فتكون مُداناً أمام الرب. (يتبع)

(1) St. Augustin, Against Faustus, A Manishian 19.26 (NPNF, 14: 249-50).

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis