دراسة الكتاب المقدس


سفر التثنية
سفر توصيات موسى الوداعية
لبني إسرائيل
- 29 -

الأصحاح الثالث عشر
لا تُصدِّق نبيّاً ولا تُشفق على أحد مهما كانت قرابته إذا دعاك للذهاب وراء إله آخر:

كانت تحذيرات موسى السابقة من العثرات الآتية من عبادات الشعوب الوثنية وممارساتهم الشنيعة في عباداتهم؛ لذلك أمرهم أن يمحوا كل أثر لها في الأرض حتى لا تصير فخّاً لهم.

ولكنه هنا يُحذِّرهم من العثرات التي تأتي من داخلهم فيما بينهم فيقول لهم:

+ «إذا قام في وسطك نبيٌّ أو حالمٌ حُلْماً وأعطاك آيةً أو أُعجوبةً. ولو حدثت الآية أو الأُعجوبة التي كلَّمك عنها قائلاً: لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحُلْم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تُحبُّون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم. وراء الرب إلهكم تسيرون، وإيَّاه تتَّقون، ووصاياه تحفظون، وصوته تسمعون، وإيَّاه تعبدون، وبه تلتصقون. وذلك النبي أو الحالم ذلك الحُلْم يُقتل، لأنه تكلَّم بالزيغ من وراء الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر وفداكم من بيت العبودية، لكي يُطوِّحكم عن الطريق التي أمركم الرب إلهكم أن تسلكوا فيها. فتنزعون الشرَّ من بينكم» (13: 1-5).

فقد تأتي العثرة عن طريق شخص يدَّعي النبوَّة أو حالمٍ يرى أحلاماً ورؤى من فعل الشيطان، وقد يُعطي هذا المُضِلُّ آيةً أو يُجري أُعجوبةً عن طريق السحر أو بعمل الشيطان. ويتضح ضلاله وخداعه بأنه يدعو الشعب إلى عبادة آلهة أخرى غير الله الذي عرفوه واختبروه ورأوا أعماله وعجائبه معهم على مر الأجيال. فقد حذرنا المسيح من الأنبياء الكذبة قائلاً: «احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم» (مت 7: 16،15)، وأضاف أيضاً قائلاً: «ليس كل مَن يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبَّأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أُصرِّح لهم إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم» (مت 7: 21-23).

فقد ظهر في العهد الجديد – كما في القديم – كثيرون من الأنبياء الكذبة مثل سيمون الساحر (أع 8: 9)، وباريشوع الذي يُدعى أيضاً عليم، وهو نبي كذَّاب من اليهود (أع 13: 6-11). وقد أنبأنا المسيح أنه في الأيام الأخيرة «سيقوم مُسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويُعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يُضلوا لو أمكن المختارين أيضاً» (مت 24: 24). كما أنبأ عن ذلك أيضاً بولس الرسول بقوله: «الذي مجيئه بعمل الشيطان، بكل قوةٍ وآياتٍ وعجائبَ كاذبة، وبكل خديعة الإثم في الهالكين، لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا. ولأجل هذا سيُرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يُصدِّقوا الكذب. لكي يُدان جميع الذين لم يُصدِّقوا الحق بل سُرُّوا بالإثم» (2تس 2: 9-12).

ولا شكَّ أن الرب قادر ألاَّ يجعل للشيطان وأتباعه وجود بالمرة، وأن يمحو أصحاب النبوَّات الكاذبة والضلالات قبل ظهورهم. ولكن الرب بحكمته يسمح للزوان أن ينمو مع الحنطة ليوم الحصاد، وفي ذلك امتحان للمؤمنين لكي يختبر صدق محبتنا له. كما يقول في ذلك القديس أوغسطينوس:

[إنه يسمح لنا بأن نُمتحن، ليس لأن شيئاً مَخْفيٌّ عنه لكي يعرفه، وإنما لكي يجعلنا نحن نعرف مقدار تقدُّمنا في محبته](1).

ويُعلِّق على ذلك أيضاً القديس فينسنت (450م) (الراهب من دير في جزيرة ليرنْس Lerins بالبحر الأبيض المتوسط):

[إذن، وإن كان مونتانوس (من القرن الثاني الميلادي) يستحق ما قيل عنه بخصوص شخصه وكتاباته، إلاَّ أنه أيضاً ينطبق عليه ما قيل: «إذا قام في وسطك نبي... فلا تسمع لكلام ذلك النبي». ولماذا؟ لأنه قيل أيضاً: لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبونه أم لا؟ وإنه بفضل هذه الأمثلة الكثيرة المُقنعة في تاريخ الكنيسة وغيرهم مِمَّن على شاكلتهم، فإنه ينبغي علينا أن نَعِي بكل وضوح، وحسب أحكام سفر التثنية، ونتفهَّم بعمق أنه إذا انحرف أي مُعلِّم في الكنيسة في أيِّ زمن عن جادة الإيمان، فإن العناية الإلهية تسمح بذلك لأجل امتحاننا، ولكي يختبرنا الرب إن كنا نحبه من كل قلوبنا ومن كل نفوسنا أم لا! وبما أن الأمر هكذا، فيمكن أن نقول إن الشخص التابع للكنيسة الجامعة بالحقيقة، الذي يحب الحق الإلهي والكنيسة جسد المسيح، مثل هذا الشخص عليه ألاَّ يعتبر شيئاً أعلى من العقيدة الإلهية وإيمان الكنيسة الجامعة، ولا ينحرف عنها خوفاً من السلطة، ولا بسبب العاطفة أو العبقرية أو الفصاحة أو الفلسفة لأي إنسان مهما كان](2).

وقد أمر موسى أن يُقتل مثل هذا النبي الكذَّاب الذي يُحرِّضهم على الذهاب وراء آلهة أخرى غير الرب الذي أخرجهم من أرض مصر وفداهم من بيت العبودية، فينزعون الشر من بينهم. أما في العهد الجديد فقد قال بولس الرسول عن الذين يسلكون بلا ترتيب: «إن كان أحد مدعوٌّ أخاً زانياً أو طمَّاعاً أو عابد وثن أو شتَّاماً أو سكِّيراً أو خاطفاً أن لا تخالطوا ولا تواكلوا مثل هذا... فاعزلوا الخبيث من بينكم» (1كو 5: 13،11). كما قال يوحنا الرسول: «إن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم، فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام؛ لأن مَن يُسلِّم عليه يشترك في أعماله الشريرة» (2يو 11،10).

ويُعلِّق أيضاً على ذلك القديس باسيان أسقف برشلونة (القرن الرابع):

[ألست تلاحظ، إذن، أن هذا قد قيل ليس بخصوص التائبين وإنما عن أولئك الذين يصرُّون على شرِّهم، وإنما أيضاً عن أولئك الذين لا يكفُّون عن وضع العثرات في طريقنا؟ فإنه عن هؤلاء بالذات، مهما كانوا أعزَّاء علينا، فينبغي أن يُعزلوا. حتى لو كانوا يبدون نافعين، فإنه يلزم إبعادهم](3).

التحذير من غواية الأقارب والأصحاب:

+ «وإذا أغواك سرّاً أخوك ابن أُمك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك. من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من أقصاء الأرض إلى أقصائها، فلا تَرْضَ منه ولا تسمع له ولا تُشفق عينك عليه ولا تَرِقَّ له ولا تستره، بل قتلاً تقتله. يدك تكون عليه أولاً لقتله ثم أيدي جميع الشعب أخيراً. ترجمه بالحجارة حتى يموت، لأنه التمس أن يُطوِّحك عن الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. فيسمع جميع إسرائيل ويخافون ولا يعودون يعملون مثل هذا الأمر الشرير في وسطك» (13: 6-11).

قد تأتي العثرة عن طريق أقرب الأقربين. فقد يغويك أخوك (ابن أُمك)، أو ابنك أو ابنتك أو امرأتك أو صاحبك - الذي مثل نفسك – أي صديقك الألصق من أخيك، قائلاً: نذهب ونعبد آلهة أخرى. وعادةً ما تكون غوايته لك سرّاً في الخفاء، لأنها من أعمال الظلمة التي لا يريد إعلانها في النور خوفاً من فضحها. فإيَّاك أن ترضخ له أو تسمع له مهما كانت درجة قرابته أو صداقته لك. فلا تتستر عليه ولا تَرِقَّ له، ولا تشفق عليه. فعقاب هذا الشخص في العهد القديم هو الموت رجماً، «لأنه التمس أن يُطوِّحك (بعيداً) عن الرب إلهك»، الذي هو حياتك، ولأن في موته عبرة لجميع الشعب لكي لا يفكر أحد فيما بعد أن يُطغي أخاه في مثل هذه الضلالة.

وقد حذَّر الرب يسوع من العثرات قائلاً: «مَن أعثر أحد هؤلاء الصغار (أي البسطاء) المؤمنين بي فخيرٌ له أن يُعلَّق في عنقه حجر الرَّحَى ويُغرق في لجَّة البحر. ويل للعالم من العثرات. فلابد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة» (مت 18: 7،6). وقد أوصى الرب بالحسم والقطع في علاج العثرة بقوله: «فإن أعثرتك يدك أو رجلك فاقطعها وأَلقِها عنك. خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع من أن تُلقى في أتون النار الأبدية ولك يدان أو رجلان. وإن أعثرتك عينك فاقلعها وأَلْقها عنك. خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعور من أن تُلقى في جهنم النار ولك عينان» (مت 18: 9،8). ويعني ذلك قطع أسباب العثرة بلا إشفاق مهما كانت أهميتها للإنسان.

قطع المدينة التي تحيد عن عبادة الرب:

+ «إن سمعتَ عن إحدى مدنك التي يُعطيك الرب إلهك لتسكن فيها قولاً، قد خرج أُناس بنو لئيم من وسطك وطوَّحوا سُكَّان مدينتهم قائلين: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفوها. وفحصتَ وفتَّشتَ وسألت جيداً وإذا الأمر صحيحٌ وأكيدٌ قد عَمِلَ ذلك الرجس في وسطك. فضرباً تضرب سكان تلك المدينة بحدِّ السيف وتُحرِّمها بكل ما فيها مع بهائمها بحدِّ السيف. تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتُحرق بالنار، المدينة وكل أمتعتها كاملةً للرب إلهك، فتكون تلاًّ إلى الأبد لا تُبنَى بعد. ولا يلتصق بيدك شيءٌ من المُحرَّم، لكي يرجع الربُّ من حُمُوِّ غضبه ويُعطيك رحمةً. يرحمك ويُكثِّرك كما حلف لآبائك. إذا سمعتَ لصوت الرب إلهك لتحفظ جميع وصاياه التي أنا أُوصيك بها اليوم لتعمل الحقَّ في عيني الرب إلهك» (13: 12-18).

هذه هي الحالة الثالثة من حالات الفتنة الجماعية، وهي أشد خطراً من سابقاتها، لأنها لم تقع من مجرد نبي أو حالمٍ حلماً، وذلك إذا خرج من وسط الجماعة أُناس أشرار لئام أضلُّوا أهل المدينة كلهم بدعوتهم إلى عبادة آلهة أخرى غريبة. أما ما ينبغي عمله إزاء هذه الحالة الخطيرة، فهو تقصِّي الأمر أولاً والتحقُّق من صحته بواسطة شيوخ الشعب. فإن تأكَّد لهم الأمر، فعليهم أن يدعوهم أولاً إلى التوبة والرجوع عن ضلالتهم. أما إذا أصرُّوا على غيِّهم فليُحسبوا كأعداء، «وضرباً تضرب سكان تلك المدينة بحدِّ السيف»، ويصير كل ما فيها مُحرَّماً، وتُحرق المدينة كلها بكل أهلها وأمتعتها بالنار، حتى تكون عِبرةً لكل الشعب، ولكي يرجع الرب عن حموِّ غضبه ويرحم شعبه.

وهكذا يتضح مقدار كراهية الرب لعبادة الأصنام لكونها تُبعِد الإنسان عن خالقه ومصدر وجوده، وتُفقده نور البصيرة، كما أنها تُبيِّن حرص الله الشديد على استئصال كل بادرة للوثنية سواء كان ذلك من أشخاص أو جماعات، ولكي ينزع العثرة من جذورها، ويحفظ للإنسان علاقته النقية مع إلهه الذي أحبه وخلقه على صورته. فكيف يستبدل الإنسان حق الله بالكذب ويتَّقي ويعبد المخلوق دون الخالق؟!

(يتبع)

(1) Augustine, Against the Manichians, On Genesis, 1,22,34 (FC, 84.82).
(2) Vincent of Lerins, Commonitories 18.6-20.1. (FC, 7: 303-4).
(3) Pacian of Barcelona, Letter 3.17 (FC, 99: 58-59).

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis