|
|
|
|
الممنوعون من الدخول في جماعة إسرائيل (23: 1-8)
+ «لا يدخل مَخْصِيٌّ بالرَّضِّ أو مَجْبُوبٌ في جماعة الرب. لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحدٌ في جماعة الرب. لا يدخل عَمُونيٌّ ولا مُوآبيٌّ في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحدٌ في جماعة الرب إلى الأبد. من أجل أنهم لم يُلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر، ولأنهم استأجروا عليكَ بلعام بن بَعُور من فَتُور أرام النَّهرَيْن لكي يلعنك. ولكن لم يشأ الرب إلهك أن يسمع لبلعام، فحوَّل لأجلك الربُّ إلهك اللعنةَ إلى بركةٍ، لأن الرب إلهك قد أحبَّك. لا تلتمس سلامهم ولا خيرهم كل أيامك إلى الأبد. لا تكره أدومياً لأنه أخوك. لا تكره مصرياً لأنك كنتَ نزيلاً في أرضه. الأولاد الذين يُولدون لهم في الجيل الثالث يدخلون منهم في جماعة الرب» (23: 1-8).
الموضوع المشترك في هذا الجزء من الأصحاح الثالث والعشرين، يتضمن الشروط اللازم توافرها للقبول في جماعة الرب. والمقصود بجماعة الرب هي الجماعة المرتبطة بالعهد المقدس مع الرب إله إسرائيل، وبالأخص حينما يكونون مجتمعين في حضرته؛ ويُقصَد بها طبعاً ”جماعة إسرائيل“. وهكذا، فإنَّ الدخول في جماعة الرب يعني أنَّ شخصاً قد صار إسرائيلياً حقّاً لا غش فيه، وهو الذي يمكنه الاشتراك مع الجماعة في عبادة الرب، إذ يكون قد استوفى الشروط كلها المنصوص عليها في ناموس الرب. إلاَّ أنَّ هذا التعريف يُعدُّ أشد تحديداً وضيقاً عن المعنى المتَّسع لإسرائيل الذي كان يشمل الغرباء المُقيمين مع الجماعة وغيرهم الذين كانوا يُحسَبون جزءاً من المجتمع، ولكنهم لا يتمتعون بالعضوية الكاملة في الجماعة.
أما أولئك الذين لا يُسمح لهم بالدخول في جماعة الرب فهُم:
أولاً: المخْصِي بالرَّضِّ أو المجبوب:
أي الذي يُخصَى بسحق الخصيتين أو قطعهما. وكانت هذه عادة من العادات المنتشرة بين الشعوب القديمة، حيث كانوا يخصُون بعض الرجال للعمل في قصور الملوك، ولا سيما الذين كانوا يُكلَّفون بخدمة النساء. كما كان الملوك يخصُون أَسْرى الحرب في بعض الأحيان. وكان البعض يخصُون أنفسهم أو يخصيهم الناس للتخصُّص لخدمة الآلهة الوثنية، ويظنُّون هذا ضرباً من التعبُّد للآلهة.
وهكذا فإنَّ شخصاً مخصياً لا يُسمَح له بالدخول في جماعة الرب، وبالأخص إذا كان من نسل هارون، فإنه لا يليق أن يخدم في الكهنوت، لأنه مكتوب: «كل رجل فيه عيبٌ (جسدي) من نسل هارون الكاهن لا يتقدَّم ليُقرِّب وقائد الرب، فيه عيب لا يتقدَّم ليُقرِّب خبز إلهه» (لا 21: 16-21).
وقد كان لله حكمة سامية في سَنِّ هذه الشريعة من حيث اللياقة الجسدية للكاهن. فقد كان من المفروض في الكاهن أن يكون بلا عيب حتى يليق بقداسة الله. وخلوُّه من العيوب الجسدية كان إشارة لخلُوِّه من العيوب الروحية، كما أنه كان إشارة إلى المسيح رئيس كهنتنا الأعظم «لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا، قدوسٌ بلا شر ولا دنس، قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات» (عب 7: 26).
كما أنه لم يكن مسموحاً للخصي أن يعمل في الأعمال الرئاسية كأن يُعيَّن شيخاً أو رئيساً أو قاضياً. إلاَّ أنه لم يكن يُحرم من الأكل من خبز إلهه من قدس الأقداس أو من القدس: «خبزَ إلهه من قدس الأقداس ومن القدس يأكل. لكن إلى الحجاب لا يأتي، وإلى المذبح لا يقترب، لأن فيه عيباً لئلا يُدنِّس مقدسي، لأني أنا الرب مُقدِّسهم» (لا 21: 23،22).
كما أنه لا يُناسب أن يُصاهر أحداً من أفراد جماعة الرب، لأنه لا يستطيع أن يُنجب نسلاً، فلا يصلح للزواج. إلاَّ أنَّ الذي لم يتعمَّد أن يُخصي نفسه تمثُّلاً بالشعوب الوثنية، بل حدث له ذلك نتيجة حادثة أو مرض، فإنه لا يُقصَى من الجماعة، بل لعلَّه ينطبق عليه قول إشعياء النبي: «ولا يَقُل الخصي ها أنا شجرة يابسة. لأنه هكذا قال الرب للخصيان الذين يحفظون سبوتي ويختارون ما يسرُّني ويتمسَّكون بعهدي. إني أُعطيكم في بيتي وفي أسواري نُصُباً واسماً أفضل من البنين والبنات. أعطيهم اسماً أبدياً لا ينقطع» (إش 56: 3-5).
ولعل هذا القول يُشير إلى الذين نذروا بتوليتهم لخدمة الرب، أو الذين كرَّسوا حياتهم للرهبنة؛ فهؤلاء ينطبق عليهم قول الرب يسوع: «لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أُمَّهاتهم، ويوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خصُوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات. مَن استطاع أن يقبل فليقبل» (مت 19: 12).
ثانياً: «لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب»:
الكلمة العبرية = (memzer) المستخدمة للتعبير عن ”ابن الزنا“ لم تُستخدم إلاَّ مرتين في العهد القديم، أحدهما هنا في هذا السفر، والثانية في (زك 9: 6)؛ والمعنى الدقيق لها غير أكيد، ولكن المرجَّح أنه يعني الابن المولود من زيجة تُحرِّمها الشريعة كالزواج من امرأة عمُّونية أو موآبية أو فلسطينية، أو الزواج من ذوي القُرْبَى المُحرمين شرعاً كالزواج من الأُخت أو زوجة الأب. وقد منع الرب دخول ابن الزنا - من ثمر هذه الزيجات - إلى جماعة الرب. أما قوله: «حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحدٌ في جماعة الرب»، فقد يُقصَد منه عدم دخولهم إلى مدى الأجيال في جماعة الرب.
ولكن، قد يسأل سائل: وما هو ذنب الابن؟ فقد أخطأ الأب، فلماذا يُحرم الابن من الدخول في جماعة الرب بسبب خطية أبيه؟ إلاَّ أنَّ الله لا يحرم الابن غير الشرعي من الالتصاق بالله والتمتُّع بالميراث الأبدي، إنْ هو سلك في طريق الرب بلا لوم. أما القصد من هذا الحُكْم فهو التشديد على تحريم الزنا، حتى يشعر الزاني أن ثمرة هذا الزنا تحرم ابنه من الدخول في جماعة الرب.
والدليل على أن حرمان ابن الزنا من امتياز الانضمام في جماعة الرب، لا يمنع من أن يحيا حياة التقوى ومخافة الرب، هو ما جاء في سفر القضاة عن يفتاح الجلعادي، فقد قيل عنه إنه كان ”ابن امرأة زانية“؛ حتى أنَّ إخوته من امرأة أبيه لَمَّا كبروا «طردوا يفتاح وقالوا له: لا ترث في بيت أبينا، لأنك أنت ابن امرأة أخرى. فهرب يفتاح من وجه إخوته وأقام في أرض طوب...». ومع ذلك، فقد كان يفتاح رجلاً شجاعاً جبَّار بأس، فلجأ إليه شيوخ جلعاد لكي يقودهم في حربهم ضد العمونيين أعداءهم. فقَبـِلَ يفتاح طلبهم، «فكان روح الرب على يفتاح... ثم عَبَرَ يفتاح إلى بني عمون لمحاربتهم، فدفعهم الرب ليده» (انظر قض 11: 1-33). وقد ذكره بولس الرسول ضمن رجال الإيمان في (عب 11: 32): «وماذا أقول أيضاً، لأنه يُعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء، الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برّاً، نالوا مواعيد، سدُّوا أفواه أسود، أطفأوا قوة النار، نَجَوْا من حدِّ السيف، تَقَوَّوْا من ضعف، صاروا أشدَّاء في الحرب، هزموا جيوش غرباء...».
وهكذا يتضح لنا جليّاً أن أحكام الرب تسمو عن أفكارنا وأفهامنا: «يا لعمق غِنَى الله وحكمته وعلمه، ما أبعد أحكامه عن الفحص وطُرُقه عن الاستقصاء. لأنَّ مَن عرف فكر الرب أو مَن صار له مُشيراً» (رو 11: 34،33). فهوذا في سفر حزقيال يقول الرب: «النفس التي تُخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن. برُّ البار عليه يكون، وشرُّ الشرير عليه يكون» (حز 18: 20). ومع ذلك فلا تهاون في تطبيق شريعة الرب في تحريم الزنا والزواج من غريبات. فقد خاصم نحميا «اليهود الذين ساكنوا نساءً أشدوديات وعمونيات وموآبيات» (نح 13: 23)، ولعنهم، وحذَّرهم قائلاً: «لا تعطوا بناتكم لبنيهم ولا تأخذوا من بناتهم لبنيكم ولا لأنفسكم... فهل نسكت لكم أن تعملوا كل هذا الشر العظيم بالخيانة ضد إلهنا بمساكنة نساء أجنبيات؟» (نح 13: 25-27)
ثالثاً: «لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب»:
العمونيون والموآبيون هم من نسل لوط من ابنتيه، بعد هروبهم من سدوم وعمورة بعد إحراقهما بنارٍ من السماء، ولجوء لوط وابنتاه إلى الجبل، أما أمُّهما فقد تحوَّلت إلى عمود ملح لأنها نظرت وراءها إلى سدوم متحسِّرةً على ما تركته فتحوَّلت إلى عمود ملح (انظر تك 19: 12-38). ويحكي الوحي قصة غريبة عن بنات لوط اللتين سقتا أباهما خمراً حتى سكر لكي ينجبا منه نسلاً، لأنه لم يكن في الجبل الذي سكنوا فيه رجال. فحبلت الكبرى وولدت ابناً سُمِّي ”موآب“ وهو أبو الموآبيين، وولدت الصغرى ابناً سُمِّي ”بَنْ عَمي“ وهو أبو بني عمُّون أو العمونيين.
ويُعلِّق القديس إيرينيئوس على ذلك قائلاً: إنَّ لوطاً لم يفعل ذلك بدافع من إرادته الشخصية، ولا تحت إلحاح الشهوة الجسدية، ولا بأي معرفة أو فكر من هذا النوع، ولكن ما حدث كان رمزاً لِمَا سيكون. فبما أن لوطاً لم يعرف ما فعل ولم يكن عبداً للشهوة لأنَّ ابنتيه سقياه مُسْكراً؛ إذن، فالترتيب الذي حصل، والذي بواسطته أنجبت ابنتاه أولاداً من أب واحد بعيداً عن شهوة الجسد، إنما هو رمز لكنيستَي العهدين القديم والجديد. لأن الفتاتين ظنَّتا ببساطتهما وبراءتهما أن الجنس البشري قد انقرض بحرق سدوم، وأنَّ الله استحياهما مع أبيهما للإبقاء على الجنس البشري، ولأنه لا أحد سوى أبيهما يمكن أن ينجبا منه الأولاد(1).
ولكن، رغم أن لوطاً كان ابن أخ إبراهيم أب الآباء، إلاَّ أن الشعبَيْن اللذين خرجا من صُلْبه تركوا عبادة الله إله إسرائيل، وأساءوا معاملة بني إسرائيل أثناء ارتحاله في البرية إلى أرض كنعان، مع أن الرب كان قد أوصى بني إسرائيل خيراً بشأن الموآبيين والعمونيين بألاَّ يعتدوا عليهم قائلاً: «لا تُعَادِ موآب ولا تُثِر عليهم حرباً، لأني لا أُعطيك من أرضهم ميراثاً، لأني لبني لوط قد أعطيت عار ميراثاً» (تث 2: 9). وكذلك أوصى الرب بخصوص بني عمون قائلاً: «لا تُعادِهم ولا تهجموا عليهم، لأني لا أعطيك من أرض بني عمون ميراثاً، لأني لبني لوط قد أعطيتها ميراثاً» (تث 2: 19). ومع ذلك، فلم يكرموهم كعابرين ولم يُلاقوهم بالخبز والماء في الطريق، بل وألَّبوا عليهم بلعام بن بعور واستأجروه ليلعنهم (عد 22-24). ولكن الله لم يشأ أن يسمع لبلعام بل حوَّل اللعنة إلى بركة.
من أجل ذلك فقد أوصى الرب بني إسرائيل بخصوصهم قائلاً: «لا تلتمس سلامهم ولا خيرهم كل أيامك إلى الأبد». ولم يقصد بهذه الوصية معاداتهم، وإنما قَصَدَ عدم عقد معاهدات أو اتفاقيات معهم، وعدم مصاهرتهم. فما داموا قد منعوا عنهم خيراتهم فلا يسعوا وراء مساندتهم، لأنَّ الرب قادر أن يغنيهم عن مساعدتهم وأن يُسدد كل احتياجاتهم.
ورغم هذا التحذير، فقد وقع الشعب فيما بعد في الخطأ الذي حذَّرهم منه الرب، فعقدوا اتفاقيات مع هذه الشعوب وصاهروهم، مما دعا عزرا ونحميا إلى توبيخهم (عز 10،9). إلاَّ أنَّ سفر راعوث يحكي لنا أنه في أيام حُكْم القضاة صار جوع في أرض كنعان، أرض الموعد، فذهب رجل من بيت لحم يهوذا ليتغرَّب في بلاد موآب هو وامرأته وابناه. واسم الرجل أليمالك واسم امرأته نُعْمِي واسما ابنيه محلون وكليون. ومات أليمالك، وأخذ الابنان لهما امرأتين موآبيتين، عُرفة وراعوث. وأقاما هناك عشر سنين، ثم ماتا كلاهما. فقامت نُعمِي لتعود إلى بيت لحم، إذ علمت أنَّ الرب قد افتقد شعبه ليُعطيهم خبزاً. وقالت لكنَّتيها أن يعودا كل واحدة إلى بيت أُمها ليصنع الرب معهما إحساناً، وليُعطهما الرب أن تجدا راحة كل واحدة في بيت رجلها الذي سيتزوَّجها. إلاَّ أن راعوث قالت لحماتها: «لا تُلحِّي عليَّ أن أتركك وأرجع عنكِ، لأنه حيثما ذهبتِ أذهب، وحيثما بتِّ أبيتُ. شعبك شعبي وإلهك إلهي. حيثما مُتِّ أموت وهناك أندفن. هكذا يفعل الرب بي وهكذا يزيد. إنما الموت يفصل بيني وبينك» (راعوث 1-4).
هذه هي راعوث المؤابية التي تعلَّقت بحماتها وأصرَّت أن تنتسب إلى إله إسرائيل وشعبه، فكافأها الرب بأن أتى من نسلها، كما جاء في إنجيل متى: «وسلمون ولد بوعز من راحاب، وبوعز ولد عوبيد من راعوث، وعوبيد ولد يسَّى، ويسَّى ولد داود الملك» (مت 1: 6،5) الذي من نسله جاء المسيح مخلِّص العالم. وهكذا تحقَّق قول بطرس الرسول: «بالحق أنا أجد أنَّ الله لا يقبل الوجوه. بل في كل أُمَّةٍ الذي يتَّقيه ويصنع البر مقبول أمامه» (أع 10: 34).
رابعاً: «لا تكره أدوميّاً لأنه أخوك. لا تكره مصريّاً لأنك كنت نزيلاً في أرضه»:
لقد أوصاهم الرب ألاَّ يكرهوا الأدوميين ولا المصريين. أمَّا الأدوميون فلأنهم من نسل عيسو أخي يعقوب، فهم إخوتهم. وأمَّا المصريون فلأنهم تغرَّبوا في مصر سنين طويلة، فأحسنوا ضيافتهم، واستظلوا بسمائهم، وشربوا من نيلهم، وأكلوا من خيرات أرضهم. وإن كان بعض الفراعنة، في آخر أيام إقامتهم بمصر، قد ضايقوهم واستعبدوهم، إلاَّ أنه ينبغي ألاَّ ينسوا كَرَمَ ضيافتهم لهم والإحسان الذي لاقوه من المصريين معظم فترة تغرُّبهم هناك. فعليهم أن يذكروا الحسنات ويتغاضوا عن الإساءات.
وبينما كان أَمْر الرب بتحريم دخول العمونيين والموآبيين في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، إلاَّ أنَّ الرب سمح لأولاد الأدوميين والمصريين الذين يُولدون لهم خلال إقامتهم في إسرائيل في الجيل الثالث، بالدخول في جماعة الرب، حيث يكونون خلال هذه الأجيال الثلاثة قد تخلَّصوا من آثار العبادات الوثنية وتعرَّفوا على الرب إله إسرائيل، وصاروا مُخْلِصين في رغبتهم للانضمام إلى عضوية جماعة الرب.
(يتبع)
(1) Adv. Haer. IV,31:1,2.
سفر التثنية

الأصحاح الثالث والعشرون