”عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا“

للأب متى المسكين
هكذا عبَّر الرب على فم إشعياء النبي عن الصلة الجديدة التي تربطنا به من خلال ميلاد المسيح، بأنْ جعل اسمه يُشير إلى هذه العلاقة التي توطَّدت بين الله وبيننا بميلاد المسيح، حاملاً رسالة الله بل شخصه لنا. وبهذه العلاقة الجديدة التي حملها المسيح إلينا، صار الله في المسيح هو حياتنا، وبه لم يَعُدْ كل فرد منَّا بعيداً عن الله، فقد دخل الله صميم حياتنا!

فأصبح كل واحد منَّا به يتحرَّك ويوجَد، يفكِّر ويعمل! هذا إنْ صار المسيح حقّاً رئيس إيماننا ومُكمِّله. ففي اللحظة التي نقبله فيها ربّاً ومخلِّصاً باستعداد الشهادة أمام كل الناس مهما كلَّفتنا وإلى سَفْك الدم، هنا تبدأ الحياة المسيحية الحقيقية التي يرأسها المسيح ويُدبِّر حركتها ويُؤمِّن وجودها؛ حيث يلجأ الإنسان إلى المسيح قبل أن يقول أو يتكلَّم أو يُقرِّر أو يعمل. فيكون المسيح حقّاً يحيا فينا ولسنا نحن الذين نحيا بعد. وبذلك يدخل الإنسان في مجال القوة المجيدة ويذوق ويرى مجد الله ويحس به: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتَني» (يو 17: 22).

فإنْ توقَّف إحساس الإنسان بدفء مجد الله الذي أضفاه عليه المسيح، يتأكَّد أنه قد خرج من مجال وجوده؛ وفي الحال، إن كان أميناً، يتوقَّف ولا يتحرَّك أو يتكلَّم أو يُدبِّر أو يسير، وإلاَّ يرتفع عنه غطاء القوة الإلهية التي تعمل بوجود المسيح فقط، فيتخبَّط الإنسان في الحياة ويسير كالأعمى يتلمَّس الحائط: «ولا يعلم أين يمضي، لأن الظلمة أعمتْ عينيه» (1يو 2: 11)، «مَنْ يتبعني فلا يمشي في الظلمة» (يو 8: 12).

بهذا نفهم أن لقب ”عمانوئيل“ للمسيح، هو استعلانٌ بحدِّ ذاته لعمل المسيح في حياة الإنسان كموجِّه ومدبِّر نتشبَّث به تشبُّثنا بالحياة نفسها. فالحياة بدون عمانوئيل أي ”الله معنا“ عاملاً فينا بكل سلطانه موجِّهاً ومدبِّراً، لا تعود حياة مسيحية أو حياة في الرب؛ إذ تكون فاقدة هدفها، بل فاقدة طريقها كسفينة تُلاطمها الأمواج في غياب رُبَّانها.

لذلك قال المسيح: «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يو 14: 6)، والمسيح يتشبَّث بهذا اللقب عن إحساس بضرورة وجوده فينا، وإلاَّ فلا طريق لنا ولا حق ولا حياة. وأيضاً يقول: «أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية» (رؤ 1: 8)، ويتشبَّث بهذا اللقب عن إحساس بأهمية وجوده في حياتنا، وإلاَّ فحياتنا لن يكون لها بداية ولن تكون لها نهاية؛ بل تكون حياة مُسطَّحة تسطيح الأرض، تطويها الأيام والسنين، غير مسجَّلة في سِجِلاَّت الحياة، وغير منقوشة على يد الله، كالسِّقْط.

هذا يُرعبنا ويجعلنا نُراجع وجودنا وحياتنا على أساس وجود المسيح فينا، مُقيَّماً على قدر عمله فينا كموجِّه ومدبِّر ومُشير ومعلِّم: كم مرَّة في النهار نلجأ إليه؟ وكم مرَّة في الليل نستشيره؟ وكم مرَّة صرخنا لَمَّا أحسسنا بغيابه(1)؟ وكم مرَّة بكينا من إهماله لنا(2)؟ وكم مرَّة صمت الرب ولم يُجِب بكلمة(3)؟ وكم مرَّة بالتالي صُمْنا وانقطعنا عن الأكل والشرب حتى يعود الرب إلى بيته الذي هيَّأه بالروح القدس لسكناه؟

وللعجب، يا إخوة، قرأتُ في قصة رؤيا جولشان أستير الباكستانية، أنَّ المسيح لَمَّا ظهر لها، قال ضمن ما قال: ”أنا عمانوئيل“، و”أنا الطريق والحق والحياة“؛ ذلك ربما منذ عشرين سنة فقط، أي في أيامكم هذه. إلى هذا اليوم يُصِرُّ المسيح أنه ”عمانوئيل“ إصرار مَنْ يريد أن يقول: ”الله معكم“، أو ”أنا معكم“.

ما معنى هذا؟ معناه: إنه يُحمِّسنا للتعلُّق به تعلُّقاً بالحياة ليُدبِّرها لنا ويُؤمِّنها أيضاً. وإنْ هو قال لنا بإصرار: «أنا هو الطريق والحق والحياة»، فهذا ليردَّنا من حال التيه الذي نعيشه في حياة تخلو منه. فلا يوجد في العالم طريق غير المسيح، ولا حق غير المسيح، ولا حياة غير المسيح! إنجيله هو درسنا الليل والنهار، واسمه هو تسبيحنا وقوَّتنا وملجأنا. فالصرخة باسم المسيح يسوع معناها: إما أنه يوجد في الحال، أو أنَّ ملاكاً واقف يدرأ عنَّا الخطر، أو أنَّ سحابة ملائكة تُحيط بنا.

أنْ يكون المسيح معنا، فنحن أقوى من جيش بألوية، وكل آلة تُصوَّب ضدّنا لا تنجح. فالحياة مع المسيح أقوى من الموت، والموت مع المسيح هو حياة أبدية!! فإنْ كان عمانوئيل معنا، فمَنْ علينا!!

كل هذا يجعلنا نتشبَّث أن نكون على مستوى عمانوئيل، مستوى الوجود مع المسيح ووجود المسيح فينا. ندبِّر له ونخطط ونسهر ونصلِّي ونصوم ونسجد الليل والنهار. فإنْ ربحنا المسيح، ربحنا الحياة. وإذا كلَّت نفوسنا وما بلغناه، فحياتنا لن تساوي الطعام الذي نأكله.

أما إنْ كنَّا قد أغضبنا المسيح بكسر وصاياه، فلا يوجد إلاَّ توبة مُرَّة واعتراف بالخطايا واستعطاف الله بصلوات متواترة وتذلُّل نفسي وتسبيح حزين مستمر، حتى يتعطَّف الله على جُبْلَته ويرفع عنها غضبه، لأن المسيح وسيط مقتدر بحُكْم قدرته على حَمْل الخطايا بتوسُّط صليبه ودمه. فلا توجد خطية عَسِرة عليه أن يحملها، فهو القائل بفمه الطاهر: كل خطية وتجديف يُغفر للناس ما عدا التجديف على الروح القدس (مر 3: 29،28).

أما النصيحة الذهبية في التعامُل مع المسيح وروحه، فهي شدَّة الانتباه لكل ما يمس وصاياه. لأنَّ كَسْر أية وصية معناه أننا قد أعطينا ظهرنا للمسيح، وانخرسنا عن تقديس اسمه، إذ في الحال ينطفئ الروح القدس: «ولا تُحزنوا روح الله القدوس» (أف 4: 30)؛ فلا يعمل ولا يستجيب، لا بالصراخ ولا بالنحيب، إلاَّ إذا تطهَّر هيكله فينا بالعبادة المنسحقة والتوبة الصادقة والصبر الطويل. أما الذين أبطلوا العبادة واهتموا بنشاطات أخرى، أيّاً كانت، فلن يتذوَّقوا المسيح.

عسيرٌ على النفس المتكبِّرة أن يسكنها الروح القدس أو يتوافق معها المسيح. فالعودة إلى الطفولة وطهارتها ووداعتها وتواضعها هي التي تُمهِّد لسُكنى الروح القدس وحلول المسيح. على أنَّ قامة الطفولة كائنة في كل إنسان، مختبئة في أعماق النفس، انزوتْ بسبب طغيان القامات الأخرى وخبثها. فلو أراد الإنسان أن يستحييها، تحيا وتزدهر على صوت المسيح وفعل الكلمة. وعلى هذا الأساس قال المسيح وصيَّته الذهبية: «إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات» (مت 18: 3). فهذه هي القامة الوحيدة في حياة الإنسان التي تتوافق مع جلال الملكوت والساكن فيه. لا غش ولا كذب ولا خداع ولا مكر ولا كبرياء ولا دنس، مع حب وبساطة ووداعة واتضاع، مع ثقة ورجاء وإيمان. ولولا أن كل إنسان فيه هذه القامة قائمة نائمة، ما طلب المسيح بإلحاح أن نعود، الكل بلا استثناء، إلى هذه القامة المتعاهدة مع المسيح والله: «دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات» (مت 19: 14)، «لأني أقول لكم: إن ملائكتهم في السموات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السموات» (مت 18: 10).

وتعجَّبتُ يوم قرأتُ في قصة فيبـي عبد المسيح في لقائها بيسوع، أنَّ المسيح سألها: ”انظري إليَّ...“، ثم سألها: ”ماذا ترين“؟ فقالت: ”وجه طفل“!! جمدتُ في مكاني، فلأول مرة أدركتُ في إيماني ومعرفتي أن تتوافق الأُلوهة في جلالها ومجدها مع الطفولة. وهذا هو العَجَب، كـلُّ العَجَب، أليس أن اسمه ”عجيباً“ (إش 9: 6)!؟ ولولا أن رب الملكوت بوجه طفل، ما قَصَرَ الداخلين إلى الملكوت على الأطفال رجالاً كانوا أو نساءً.

فروح الطفولة وبراءتها وطهارتها فينا هي التي تُؤهِّلنا لحلول المسيح في قلوبنا والاحتفاظ بعشرة الروح القدس!

فيا لفرحة البشرية أن يدخلها يوم ميلاد المسيح ملء اللاهوت في قامة الطفولة، لتتأسَّس هذه القامة في خلقتنا الجديدة ذخيرة حيَّة ملكوتية تُؤهِّلنا لحلول المسيح فينا وشركتنا مع الآب والمسيح، تمهيداً لحياة دائمة مع المسيح والله الآب في ملكوته الأبدي، ولنكون قديسين وبلا لوم قدَّام الآب في المحبة لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب (أف 1: 6،4)! كخورس ملائكي أمامي، لأن قامة الطفولة أعلى من قامة الملائكة.

ولهذه القامة توسَّل المسيح لدى الآب: «عرَّفتهم اسمَك وسأُعرِّفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم» (يو 17: 26). وهل يمكن أن ينسكب حب الآب فينا إلاَّ إذا كنَّا بقامة الطفل الذي به نصرخ قائلين: ”يا أَبَا الآب“ (رو 8: 15)؟ فبهذا الحب الأبوي الإلهي الفعَّال فينا، أعطانا المسيح وصية محبة الأعداء! فبغير فاعلية حب الله فينا يستحيل علينا أن نحب أعداءنا ولا حتى إخوتنا. لأن محبة الأعداء هي من عمل الله وحده، وهي ذات المحبة التي شغلت قلب الآب من جهة العالم المغضوب عليه، فأرسل ابنه مبذولاً على الصليب «لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16). فصار المسيح واسطة الحب الإلهي على الصليب، فدخلتْ هذه البذرة، بذرة الحب الإلهي إلى العالم، بواسطة الإيمان بالمصلوب، وتمَّ سؤال المسيح أن يكون فينا الحب الأبوي الذي أحبَّ به الآبُ المسيحَ الابنَ المحبوب. فصرنا بهذا الحب أحبَّاء ومحبوبين كخليقة جديدة مُنعَم عليها، نحب مجاناً الذي يحبنا والذي لا يحبنا.

فيا لميلاد المسيح العجيب للذي دُعِيَ اسمه ”عجيباً“، هكذا أسماه الروح على فم إشعياء يوم قال أولاً: «ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل» (إش 7: 14)، ثم قال: «لأنه يولَد لنا ولدٌ ونُعطَى ابناً... ويُدعَى اسمه: عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام» (إش 9: 6). واليوم قد تمَّ هذا الذي قيل في مسامعكم!!!

(ليلة عيد الميلاد المجيد 7/1/2000)

تهنئة بعيد الميلاد المجيد

تتقدَّم أسرة تحرير مجلة مرقس بخالص التهنئة إلى

صاحب القداسة البابا المعظَّم أنبا شنودة الثالث

بمناسبة حلول عيد ميلاد مخلِّصنا الصالح

وندعو إلهنا الصالح أن يُديم رئاسته للكنيسة سنين عديدة وأزمنة سلامية مديدة

كما نتقدَّم بالتهنئة إلى أصحاب النيافة آبائنا المطارنة والأساقفة الأجلاَّء

وجميع الإكليروس وشعب الكنيسة المقدسة في بلادنا العزيزة وكل بلاد المهجر

(1) ربما بكذبة خرجت من أفواهنا بغير مبالاة، وكُنَّا نظنها أمراً بسيطاً.
(2) ربما بسبب غضب تملَّك علينا أو حقد أو نقمة أو وشاية أو اعتداد بالذات. واعتبرنا ذلك من واجبات الحياة وإثباتاً للذات.
(3) بسبب أخطاء فاحشة سقطنا فيها، وأخطرها النجاسة بكل أنواعها، وعشنا في اللامبالاة.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis